ابن أبي أصيبعة
553
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
يكون سببا مميزا لصناعة البرهان من هذه الصناعات الأربع وفصلا فاصلا لها من جنسها ثم أخذ بعد ذلك في شرح الأمور الطبيعية فبدأ في ذلك بكتابه في السماع الطبيعي فقرر فيه الأمور المعلومة بالطبع التي لا تحتاج إلى برهان إنما يؤخذ من الاستقرار والقسمة والتحليل وبرهن على بطلان الاعتراضات فيها وكشف عن أغلاط من شك في شيء منها وكان مجمل كلامه في ذلك على ستة أمور المبادئ الكونية والطبيعية والمكان والخلاء وما لا نهاية له والزمان والحركة والمحرك الأول ثم أتبع ذلك بكتابه في الكون والفساد فأوضح فيه قبول العالم الأرضي الكون والفساد ثم تلاه بكتابه في الآثار والعلوية وهي التي تعرض في الجو كالسحاب والضباب والرياح والأمطار والرعد والبرق الصواعق وسائر ما يكون من أنواع ذلك وذكر في آخره أمور المعدنيات وأسباب كونها ثم أتبعه بكتابه في النبات والحيوان فذكر ضروب النبات والحيوان وطبائعهما وفصولهما وأنواعهما وخواصهما وأعراضهما ثم أتبع ذلك بكتابه في السماء والعالم فأبان عن طبيعة العالم وذاتيته واتصال القوة الإلهية به ثم والاه بكتابه في النفس فتكلم على رأيه في النفس ونقض آراء جميع من قال فيها قولا يخالف قوله واعتقد في ذاتيتها اعتقادا غير اعتقاده وقسمها إلى الغاذية والحاسة والعاقلة وذكر أحوال الغاذية وشرح أمور الحواس وفصل أسباب العقل فذكر من ذلك ما كشف كل مستور وأوضح عن كل خفي ثم ختم جميع ذلك بكتابه فيما بعد الطبيعة وهو كتابه في الإلهيات فبين فيه أن الإله واحد وإنه حكيم لا يجهل وقادر لا يعجز وجواد لا يبخل فأحكم الأصول التي فيها يسلك إلى الحق فيدرك طبيعته وجوهره وتوحيد ذاته وماهيته فلما تبينت ذلك أفرغت وسعي في طلب علوم الفلسفة وهي ثلاثة علوم رياضية وطبيعية وإلهية فتعلقت من هذه الأمور الثلاثة بالأصول والمبادئ التي ملكت بها فروعها وتوقلت بأحكامها من حيث انخفاضها وعلوها ثم إني رأيت طبيعة الإنسان قابلة للفساد متهيئة إلى الفناء والنفاد وأنه من حدة الشباب وعنفوان الحداثة تملك على فكرة طاعة التصور لهذه الأصول فإذا صار إلى سن الشيخوخة وأوان الهرم قصرت طبيعته وعجزت قوته الناطقة مع إخلاق آلتها وفسادها عن القيام بما كانت تقوم به من ذلك فشرحت ولخصت واختصرت من هذه الأصول الثلاثة ما أحاط فكري بتصوره ووقف تمييزي على تدبره وصنفت من فروعها ما جرى مجرى الإيضاح والإفصاح عن غوامض هذه الأمور الثلاثة إلى وقت قولي هذا وهو ذو الحجة سنة سبع عشرة وأربعمائة لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ما مدت لي الحياة باذل جهدي ومستفرغ قوتي في مثل ذلك توخيا به أمورا ثلاثة أحدها إفادة من يطلب الحق ويؤثره في حياتي وبعد وفاتي والآخر إني جعلت ذلك ارتياضا لي بهذه الأمور في إثبات ما تصوره وأتقنه فكري من تلك العلوم والثالث إني صيرته ذخيرة وعدة لزمان الشيخوخة وأوان الهرم فكنت في ذلك كما قال جالينوس في المقالة السابعة من كتابه في حيلة البرء إنما قصدت وأقصد في وضع ما وضعته وأضعه من الكتب إلى أحد أمرين إما إلى نفع رجل أفيده إياه وإما أن أتعجل أنا في ذلك رياضة أروض بها نفسي في وقت وضعي إياه وأجعله